أحمد بن علي القلقشندي
33
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
التقوى مبانيها فيحطمها كرمنا فنؤدّي الجزاء عنها موفورا ؛ فاستقصينا ذلك في ممالكنا الشريفة مملكة مملكة ، واستطردنا في إبطال كل فاحشة موبقة مهلكة ، فعفّينا من ذلك بالديار المصرية ما شاع خبره ، وظهر بين الأنام أثره ، وطبّقت بمحاسنه الآفاق ، ولهجت به ألسنة الدّعاة والرّفاق : من مكوس أبطلناها ، وجهات سوء عطَّلناها ، ومظالم رددناها إلى أهلها ، وزجرناها عن غيّها وجهلها ، وبواق سامحنا بها وسمحنا ، وطلبات خفّفنا عن العباد بتركها وأرحنا ، ومعروف أقمنا دعائمه ، وبيوت للَّه عز وجل أثرنا منها كل نائمة ؛ ثم بثثنا ذلك في سائر الممالك الشامية المحروسة ، وجنينا ثمرات النصر من شجرات العدل التي هي بيد يقظتنا مغروسة . ولما اتّصل بعلومنا الشريفة أنّ بالمملكة الطرابلسية آثار سوء ليست في غيرها ، ومواطن فسق لا يقدر غيرنا على دفع ضررها وضيرها ، ومظانّ آثام يجد الشيطان فيها مجالا فسيحا ، وقرى لا يوجد بها من [ كان ] ( 1 ) إسلامه مقبولا ولا من [ كان ] ( 2 ) دينه صحيحا ، وخمورا يتظاهر بها ويتصل سبب الكبائر بسببها ، وتشاع بين الخلائق مجهرا ، وتباع على رؤوس الأشهاد فلا يوجد لهذا المنكر منكرا ، ويحتجّ في ذلك بمقرّرات سحت لا تجدي نفعا ، وتبقى في يد آخذها كأنها حيّة تسعى . ومما أنهي إلينا أن بها حانة عبّر عنها بالأفراح قد تطاير شررها ، وتفاقم ضررها ، وجوهر فيها بالمعاصي ، وآذنت لولا حلم اللَّه وإمهاله بزلزلة الصّياصي ، وغدت لأهل الأهوية مجمعا ، ولذوي الفساد مربعا ومرتعا ، يتظاهر فيها بما أمر بستره من القاذورات ، ويؤتى بما يجب تجنّبه من المحذورات ، ويسترسل في الأفراح بها بما يؤدّي إلى غضب الجبّار ، وتهافت النفوس فيها كالفراش على الاقتحام في النار . ومنها - أن المسجون إذا سجن بها أخذ بجميع ما عليه بين السجن وبين
--> ( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية ؛ وهي لازمة لانتظام السياق . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية ؛ وهي لازمة لانتظام السياق .